السيد كمال الحيدري

43

شرح كتاب المنطق

القطعية . وهذا من قبيل النور الحسّي ، فإنّ كلّ شيء يظهر بتوّسط النور ، والنور بذاته ظاهر من باب أولى « 1 » .

--> ( 1 ) اعلم أنّ أئمّتنا ( عليهم السلام ) أشاروا إلى حقيقة أنّ الموجودات الممكنة ظهرت من ظلمات العدم بالله سبحانه وتعالى ، ومما لا شك فيه أنّه تعالى ظاهر بالأولوية القطعية ، ولهذا يقول سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) في دعاء عرفة : ) كيف يُستَدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك ؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتّى يكون هو المُظْهرَ لك ؟ ( لا يمكن أن يعقل ذلك ، لأنّ كلّ شيء ظهر به تعالى ، فكيف لا يكون سبحانه ظاهراً بذاته ؟ ! وهذا يعني : أنّ أئمتنا ( عليهم السلام ) يتعاملون مع وجوده تعالى تعامل الحاضر الذي لا يحتاج إلى دليل ، بينما المنهج الفلسفي يتعامل على أساس الدليل ، أي يعتبره تعالى غير ظاهر ، وإلّا لما احتاجوا إلى الدليل على إثبات وجوده ، إذ من الواضح أنّ معنى البحث عنه بالدليل أنّه غير ظاهر . بخلاف منهج أهل البيت ( عليهم السلام ) ومنهج القرآن الكريم الذي ينفي الشك في وجوده تعالى أفي الله شَكٌّ فَاطر السَّمَوات وَالأرْض فهو سبحانه نور السماوات والأرض ، تقريباً إلى الأفهام ، فكما أنّ النور الحسّي ظاهر بذاته مظهر لغيره ، فكذلك الله سبحانه ظاهر بذاته مظهر لغيره . إذن علينا الرجوع إلى متبنّياتنا العقدية والإيمانية مرّة أخرى لنرى لمَ نتعامل مع وجوده تعالى بعنوان أنّه غائب يحتاج إلى دليل ، مع أنّه تعالى هو الظاهر وما عداه غائب يحتاج إلى دليل ؟ ! ومن هنا نعرف أنّ قضية ) الوجود موجود ( تترتّب عليها آثار مهمّة يُبحث عنها في العقائد . فلو فرضنا أنّ المعصوم ( عليه السلام ) يلازمك في كلّ شيء ، في حلّك وترحالك ، فممّا لا شك فيه أنّ جميع أعمالك تكون على طبق ما جاء به الشرع الحنيف ، ولا ترتكب أيّة معصية ، والمفروض أنّ الله سبحانه نصّ في كتابه أنّه مع الإنسان أينما كان ، قال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَما كُنْتُمْ وَاللهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ فعلينا أن نراعي ذلك وأن نلتزم بجميع تعاليمه . وهذا ما أشرنا إليه في أوّل المطلب من أنّ كثيراً من الناس يعلم أنّ الله تعالى حاضر ، ولكنّهم لم يؤمنوا بعدُ بذلك . إنّ العاقل - مثلًا - لا يقدم على شرب السُّمّ لأنّه يعلم ومتيقّن أنّه سمّ وقاتل ، ولكنّ أكل ما اليتيم أشدّ فتكاً من شرب السُّمّ بألف مرّة ، ومع ذلك نجد بعض الناس يقدم على أكل مال اليتيم بالباطل . وبعض الناس لا يزني ، لعلمه بعقوبة هذه الجريمة لكن تراه يغتاب مع أنّ فعل المغتاب أشدّ من الزنا . فالمرتكب لمثل هذه المعاصي يعلم بأنّها معاصي لكنّه لا يقين ولا تصديق قلبيّ لديه بها . إذن العلم بالشيء أمر ، واليقين والإيمان به أمر آخر ، والمهمّ هو التصديق . وإلا فالعلم - بما هو علم ، من دون التصديق والإيمان - لا قيمة له . فمثلًا نحن كمسلمين نؤمن بالمعاد ، وكلّ من آمن به لا يضحك سنّهُ ، حسب ما جاء في الأثر ، وليس معناه أن يمسك نفسه عن الضحك ، بل لا يوجد مقتضٍ للضحك أصلًا ، لأنّه حسب الفرض يعرف أيَّ يوم يستقبله . ومن المعلوم أنّ الإيمان لا يأتي جزافاً ، بل علينا أن نتذكّر الموت ثلاثين مرّة في اليوم على الأقلّ ليكون العلم به تصديقاً . وإلا فالإنسان يعلم بالموت لكنّ علمه به شيء والإيمان به شيء آخر . ( منه حفظه الله ) . .